الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

462

أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات )

عن مسير العدل والقضاء الشرعي لأنّهم ليسوا بمعصومين ، وقد مرّ فتوى بعض فقهاء العامّة ، وأنّه كان يفتي بحجّية علم القاضي في أوّل أمره ، ثمّ لمّا رأى آثاره الفاسدة رجع عن فتواه وأفتى بعدم حجّيته مطلقا . « 1 » أضف إلى ذلك انّه يوجب التهمة للقضاة وإن مشوا على نهج الحقّ والطريقة الوسطى ، كما مرّ في بعض الأحاديث الحاكية عن طلب بعض الأنبياء عليه السّلام من اللّه أن يكون عالما لا من الطرق الحسيّة والعادية بالواقع ، ثمّ لمّا استجيبت دعوته وحكم بمقتضاه تعجّب الناس وتحدّثوا بما يدلّ على سوء ظنّهم بحكم النّبيّ عليه السّلام فطلب من اللّه أن يرفع هذا العلم فرفع ، فإذا كان الامر كذلك بالنسبة إلى الأنبياء فما ظنّك بغيرهم ! فعلى هذا فتح باب هذه العلوم في المحاكم الشرعية يوجب سلب اعتماد الناس عنها وقد يكون سببا لان تزلّ أقدام القضاة . ويؤيّده أيضا أنّا لم نسمع في القضايا المنقولة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ووصيّه أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من بعده عليهم السّلام حكمهم بالمبادئ الحدسية والعلم الحاصل منها . إن قلت : أليس ما مرّ في بعض الروايات عن أمير المؤمنين عليه السّلام من فهم صدق المرأة في دعواها ولادة الولد من زوجها الذي كان شيخا كبيرا ، بضعف الولد عن القيام كسائر أترابه من الصبيان ، من العلم الحاصل من المبادئ الحدسيّة ومع ذلك قد حكم عليه السّلام بلحوق الولد بمثل هذا الزوج ؟ قلت : قد عرفت أنّ الحديث المذكور لا يخلو عن الإشكال سندا ودلالة ، أمّا الأول فلكونه مرسلا ، وأمّا الثاني فلأنّ مجرد ذلك قد لا يوجب العلم بولادة الولد من أب شائب . فلعلّ عدم قدرة الصبي عن القيام كان لمرض فيه أو ضعف من ناحية أخرى . فلا بدّ من حمله على محامل أخرى أو ردّ علمه إلى أهله ، ولا يمكن الركون إليه في مثل هذه المسألة .

--> ( 1 ) - مرّ ذلك عند نقل الأقوال عن الشافعي .